الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد
يمكنك اليوم من خلال جولة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو مشاركة مجموعة من الشباب في جلسة ما، أو زيارة الصالات الرياضية، أو الاطلاع على حسابات التغذية تلمس اهتماماً ضخماً بالجوانب الصحية، وأعظم الشواهد على ذلك تلك الجموع من الرجال والنساء، والكبار والصغار على حافات الطرق والحدائق والأماكن العامة وهم يمارسون بعضاً من ذلك الاهتمام،وما الضجة الإعلامية التي ظهرت عقب تصريح أحد الأطباء ببرنامجه الصحي في هذا الشأن وما ترتب على ذلك إلا أحد الشواهد على ما وصلنا إليه في هذا الجانب على وجه الخصوص، وهذا في أصله وبقدره مندوب وقد قال صلى الله عليه وسلم (ولجسدك عليك حقاً) خاصة أن هذا المفهوم يؤسس لأحد المفاهيم الكبار في دين الله تعالى (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ)، ويغري بالازدهار في قوله صلى الله عليه وسلم (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) إلا أنك تلمس في المقابل خللاً كبيراً فترى كمثال من يعرف عدد خطواته ونسبة الدهون في جسمه وكمية البروتين التي يحتاجها في يومه ولا يعرف في المقابل كيف ينتظم في صلاته ؟ ولا أهمية أوراد الذكر والقرآن في يومه وليلته ، ولا دور صلة الرحم في حياته!
تتضّخم العناية بالجسد في عالم اليوم حتى أنك ترى من يستيقظ مبكراً ليمارس الرياضة ويغلبه النوم عن صلوات كثيرة، يزن طعامه بدقة متناهية، ويحسب السعرات في كل وجبة، ويراقب وزنه مراقبة لصيقة ولا يكاد في المقابل يراقب إيمانه ، أو يحرس على جوارحه من أن تطيش في الحرمات، أو يقف يوماً متأملاً في ميزان ربحه وخسارته بين يدي الله تعالى، ينتظم في تلك البرامج انتظاماً دقيقاً ولا يكاد ينتظم في صلاته أو بره بوالديه أو زيارته لرحمه، يعرف أدق التفاصيل في كل ما يتعلق بتلك البرامج الصحية وله اطلاع واسع في ذلك الشأن وربما لم يقرأ كتاباً واحداً: كيف يصلي ؟ يدفع أمولاً واشتراكات كبيرة وربما ليس في راتبه أو ماله وقفاً بخمسين ريالاً أو مئة ريال، يقلق بمجرد زيادة وزنه كيلاً واحداً وقد لا يجد في نفسه أدنى حرج أن تغرب شمس يومه وأسبوعه وشهره وهو لم يفتح كتاب الله تعالى، يبحث عن تمارين لبناء عضلاته وتقوية جسده وربما لم يقرأ كتاباً واحداً كيف يبني فكره ويقوّي إيمانه في زمان الشتات والفوضى، يخشى من قلق كبر سنة وتراخي قوته وترهّل عضلاته ويبنيها من خلال تمارين شاقة وقد لا يتطرق إليه القلق من ضعف إيمانه وتآكل قيمه وفوات حقيقة وجوده على الأرض، وقد تراه مشغولاً بالمكملات الصحية ويعرف أنواعها وتفاصيلها ولا يعرف شيئاً عن أصول دينه وقضاياه الكبار فضلاً عن المكملات الإيمانية والفكرية.
يعجبني في هؤلاء القدرة على اتخاذ القرار، والدقة في الالتزام ، والبذل في سبيل صحتهم، وعدم الالتفات للمثبطين، وأعدّهم نماذج صالحة للعمل والإبداع والتركيز وصناعة القرارات، وأدعوهم في الختام لإدراك حقيقية وجودهم على الأرض، والعناية بقلوبهم وأرواحهم، والمتابعة الدقيقة لقيمهم ومبادئهم ، وتبني مشاريع لدينهم ومنهجهم يعيشون لها ويبذلون في سبيلها تكون عربوناً لرضى الله تعالى وجنان الخلد، والموفق من وفقه الله ومنه الحول والطول وهو المستعان وعليه التكلان.
الجمعة 14/4/1448