الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد
ألقيت ذات مرة دورة (مشروع العمر) في مكان جمع شخصيات علمية وثقافية وفكرية وكنت أوكّد في ذلك اللقاء على أن قيمة الإنسان الكبرى في ما يحمل لمجتمعه ووطنه وأمته من (مشروع أو فكرة أو قضية) يعيش لها ويحيا من أجلها ويشارك بها في نهضة واقعه ويصنع بها فألاً عريضاً في دنياه، و يترك بها لسان صدق في الآخرين بعد موته ورحيله ، وبعد أن انتهيت قام أحد هؤلاء الكبار وعرّف بنفسه وقال: في حينا الذي أسكنه جمع من المثقفين والمفكرين وأساتذة الجامعات والمسؤولين ورجل مسن جاوز السبعين، كنا مشغولين بوظائفنا وبيوتنا وضيعاتنا وكان ذلك المسن مشغولاً ببنائنا وتأهلينا للحياة فتارة يقول لنا : جاركم حارس الأمن صار على سيارته حادث وتعطّل عن عمله ويحتاج عونكم في إصلاحها ، ومرة يقول: جاركم بينه وبين زوجه خلاف ممتد ويحتاجان تدخلكم في الإصلاح، وثالثة : جاركم فلان شاب ويحتاج عونكم في زواج، ورابعة يقول: بين فلان وآخر خلاف يحتاجان من ينتدبون للإصلاح ، وخامسة وسادسة وعاشرة ، وكل هؤلاء بلا استثناء تُسد حاجتهم وتُقضى ظروفهم، وتحل مشكلاتهم بعد تلك الدعوة المباركة من ذلك المسن، وتحوّل ذلك الحي بفضل ذلك المسن من مجموع أفراد في مجتمع لا تجمعهم سوى المناسبات إلى مجتمع ناهض يدرك أدواره ويقوم على مصالحه ويحقق أهدافه الكبرى من ذلك الاجتماع والجوا.اهـ وصدق مالك بن نبي رحمه الله تعالى حين قال : المجتمعات الناهضة لا تحسب بمجموع أفرادها، وإنما تحسب بفاعلية أولئك الأفراد! ولذلك لا تكاد ترى مجتمعاً فيه لجان إصلاح، وصناديق خيرية، وحلقات تحفيظ، ودور نسائية، وأعمال مجتمعية إلا ووراء ذلك رجال ! ولا تكاد ترى في المقابل مجتمعات خالية من هذه المعاني إلا وهي أفقر ما تكون إلى الرجال.
ما أحوجنا إلى أن نرتفع عن حضيض الأنانية والدوران الضيق حول الذات إلى حال البذل والتضحية والعطاء، ولله ما أصدق ما وصفت خديجة نبي الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل إليها خائفاً من لقاء جبريل عليه السلام في الغار فقالت له (كلا ، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)، وكأنها تقول ومثل صاحب هذه الأعمال لا يمكن أن تصيبه حوادث الزمان، ومثل ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنه وهي تصف حاله صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته حين قالت (صلّى النبي صلى الله عليه وسلم آخر حياته جالساً بعدما حطمه الناس)
وصدق الأول حين قال :
وكن رجلاً إذا أتوا بعده
يقولون مر وهذا الأثر
الجمعة
29/3/1448 هـ