يوم الجمعة

سطوة العادات

مشعل الفلاحيمشعل الفلاحي
20 أغسطس 2026
4825 مشاهدة
سطوة العادات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد
ثمة عبادات عظيمة رتّب عليها الإسلام أجوراً عظيمة ومقامات كبيرة، وعلمنا كيف نؤديها ونحن نريد بها وجه الله تعالى لا لنسجل بها حضوراً في ذاكرة الناس، أو مقاماً عند الآخرين، وما أكثر عوارض النيات في الطريق، وإن من فقهك اليوم وأنت تُعزي مصاباً أن تعزيه لذلك المعنى الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من مؤمن يُعزّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة)، وإذا أردت أن تعين أخاك في زواجه فتعينه وأنت ترجو ذلك الوعد العظيم (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، وإذا زرت مريضاً أن تزوره وأنت ترقب آثار تلك الزيارة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عاد مريضاً لم يزل في خُرفة الجنة) قيل : ما خُرفة الجنة ؟ قال (جناها) ولا يفتك في ذات الوقت أن العادات ومقامات الرياء وحظوظ النفوس أعظم الواردات وأشدها خطراً على هذه المعاني الكبار، ولا أدل على ذلك من أنك ترانا مزدحمين عند من نعرفه أو على أعتاب بيت صاحب المسؤولية أو حول صاحب المكانة الاجتماعية ونتخلف في الوقت ذاته عن الآخرين الذين يعيشون ذات الظروف، وتحوّل سؤال ما ذا ينالني من أجر في هذا المقام ؟ إلى ماذا سيقول الناس عن حضوري أو تخلفي؟ وما أكثر ما تسمع قول القائل : فلان لا يعزي الناس فلا يستحق الذهاب، وفلان لا يترك مكاناً إلا شارك فيه فيستحق المواساة ، وحين نسمع بمريض نبحث في الذاكرة هل عادنا في أوقات المرض أو تخلف؟ وحين تأتي مناسبة زواج نهرع إلى تلك الدفاتر نبحث عن حضوره أو تخلفه وكم دفع ؟ وعلى ضوء ذلك نقرر المشاركة أو التخلّف، فرق كبير جداً بين من يخرج من بيته لله وبين من يخرج للناس؟ فرق بين من دفع جهداً ومالاً ووقتاً راجياً ثواب الله ؟ وبين من حضر وشارك يريد سمعة عند الناس وجاهاً عند المخلوقين ؟ إنك حين تتأمل حال المشاركين تجد فرقاً ضخماً بين رجل قطع الطريق إلى بيت العزاء وهو يقول : يارب جئت أواسي عبدك وأطلب أجرك وأنال مثوبتك وأطبّق دعوة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وآخر قطع الطريق ذاته وهو يفكّر حتى لا يقولوا الناس لم يحضر أو لم يشارك ، أو حتى يقول الناس حضر فلان وشارك فلان ! الصورة واحدة، والخطوات واحدة، والمجلس واحد والمسافة بين العملين كما بين السماء والأرض. إن مشكلة العادة أنها لا تُلغي العبادة من أصلها ولكنها تبقيها جسداً وتلغيها روحاً ومعنى، تبقى الزيارة وتغيب النية، وتأتي المواساة ويغيب الاحتساب، ونبقى حاضرين عند المخلوقين ويغيب الله تعالى عن المشاعر والقلوب،وما حاجتنا لشيء حاجتنا أن نسترد عباداتنا من قبضة العرف والعادة والمجتمع إلى ميزان الله تعالى. وأعظم وصية لك في هذا الطريق : ألا تجعل تقصير الآخرين يسرق منك أجور أعمالك الصالحة ، وألا تسمح لعادات المجتمع أن تحوّل بينك وبين مكاثرة موازين الحسنات، وإن استطعت أن تعزي من لم يعزّك ، وتزر من لم يزرك، وتعين من لم يعنك، وتشارك مع من لم يشاركك، وتحسن إلى من لم يحسن إليك فأنت تسترد روحك ومشاعرك وعملك من مشاهد الرياء إلى ربيع الإخلاص والقبول.
الجمعة
7/3/1448

#يوم الجمعة

مقالات قد تهمك أيضاً

نقاشات القراء (0)