الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد
في حياة كل واحد منا حنينٌ لم يبح به، وشوقاً لم يجد وقتاً للتعبير عنه، ورسالة ما زالت حبيسة في مشاعره غير أن الأيام تمضي والمناسبات تمر والأحداث تتسارع وهو يبحث عن وقت مناسب لذلك الحنين وتلك المشاعر والأشواق، كان يود أن يعبّر لأمه عن بعض مشاعره التي تجتاح قلبه، ولوالده عن بعض أمانيه التي صنعها في أيام خلت من عمره، ولأبنائه الذين طوقوه بالجميل وهو في آخر عمره، ولأخيه الذي بذل كل ما يملك من أجل سعادته، ولصديقه الذي غمره بمشاعره وبذل له ماله ووقف معه أيام محنته وظروفه ، كان يتوق للاعتذار لأولئك الذين أخطأ في حقهم يوماً ما، وما أكثر ما كان يردد: سأتصل غداً، وسأزورهم لاحقاً، وسأعتذر حين تهدأ النفوس، ثم إذا به على أنقاض تلك الأماني كلها، لقد مات أبوه فجأة، ودخلت أمه المشفى بغتة، ورحل صديق عمره في عرض الطريق، وغادر أولئك الذين كان يتوق إلى لقائهم للاعتذار، وانطوت تلك الصفحات متتابعة وهو في غمرة الانتظار. إن مشكلة الانتظار ليست في الزمن الذي يأخذه وإنما في وهم الأمان الذي يمنحه، مشكلته أنه يقتل بهجة اللحظة الحاضرة إلى غد مليء بعوارض النسيان.
إن مشكلتنا المزمنة أننا نبخل بالحب والود والعفو والتسامح والاعتذار والشكر لسائليه ومستحقيه ومنتظريه حتى إذا رحلوا وودعوا الحياة ندمنا على رحيلهم وبكينا على فراقهم وتحدثنا عن ذكرياتهم بعد الفوات. ويبقى السؤال الكبير: ألا يمكن اليوم أن نكتب رسالة شكر، ونبعث رسالة اعتذار ونعيد وصلاً منقطعاً؟ ألا يمكن أن نرد جميل الآباء والأمهات بجلسة ود وحسن صلة وبذل شيء من المشاعر والأوقات والأموال والمواقف؟ أليس من حق أسرنا أن نعيد فيها الحب والحوار والجمال بدل الخصام والنزاع والقطيعة ؟ أما يمكن أن نعيد الثقة في نفوسنا ونبعث فيها الفأل ونحاصر فيها اليأس والخوف والقلق ؟
إن الحياة أجل من هذا الضيق وأكبر من هذا الخلاف وأعظم ألف مرة من هذا الانتظار الذي فوّت علينا فرص اللحظة الحاضرة وأبقانا مسجونين في انتظار الأوقات المناسبة.
الجمعة
1/3/1448هـ