الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد
زرت في الأسبوع الثاني من شهر صفر لعام 1448هـ في مدينة الملك عبد الله الطبية بمكة الدكتور محمد إبراهيم الدعيس منوماً إثر تبرعه بكليته لبنته الطالبة بجامعة أم القرى وقد رأيت من إيمانه وصدقه وحسن توكله وصبره شيئاً عجيباً، رأيت هذا أيام مرضها وعنائها حتى أنها تدخل العناية المركزة ثم لا يكاد هذا الحادث يخرجه من اجتماعه أو يحول بينه وبين التزامه حتى توّج هذا المعنى بتبرعه بكليته دون سؤال عن إمكانية وجود متبرعين آخرين أو انتظار لوقت آخر ليقدم لنا درساً في الأبوة الصادقة والعاطفة الجياشة والبذل والعطاء الكبير والإيمان بالقضاء والقدر دون التفات لشيء من العوائق وعقبات الطريق، وهي في المقابل رفضت إجراء العملية قبل إتمام دراستها وكانت تغسل ثلاثة أيام إلى أربعة في الأسبوع الواحد ، وربما غسلت ثم خرجت من المستشفى للجامعة حتى أتمت دراستها بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى. تنتقل منها في المقابل إلى أسر لم تستطع العولمة بكل فصولها وفوضويتها وتعدد أنشطتها من أن تقوّض شيئاً من قيمها ومبادئها فما زالت معتزة بدينها محافظة على قيمها حتى أنك لا تكاد نرى نشازاً في صفوف تلك الأسرة مطلقاً ولو لم يكن من ذلك إلا علاقتهم بالله تعالى من خلال العناية بصلاتهم في بيوت الله تعالى فلا تكاد ترى متخلفاً منهم عن المسجد كباراً وصغاراً في أيام العمل أو الإجازات في الحر والبرد لا فرق، وذلك الحجاب الذي يملأ أعين العالمين عزة وشرفاً، والحياء الذي يتقاطع مع الفطر السوية والعفة التي تمثل عنواناً لتلك المعاني الكبار، ثم تمتلئ عينك إجلالاً بأسرة ثالثة تبهجك في لحمتها وإخائها وتعاونها سواء كان ذلك في تقديرهم لكبيرهم وصدورهم عن رأيه أو الشورى في كل ما يعرض لهم، أو في الصناديق التعاونية فيما بينهم، ولوائح الأنظمة في الخلافات التي تعرض لهم، لتختم مشوار تلك الأسر بأسرة رابعة هي رأس مجتمعها وغوث فقيرها وعون محتاجها وسندهم في عوارض الزمان.
إننا في زمن يملك جزءاً كبيراً من مقومات التأثير ، ويتفنّن في صناعة التغيير، ويحاول جاهداً أن يُنحّي هذا الدين أن يكون حاكماً على كل إنسان (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) ، (وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فتأتي هذه الأسر عنواناً للصلابة أمام هذه التحديات، ورسالة في أن الثبات هو الأصل، وأن مقاومة التغيير لا تحتاج سوى قناعة بصلاحية هذا الدين للحياة، والنفوس الكبيرة لا تعبأ بعوارض الطريق.
د / مشعل الفلاحي
الجمعة 17/12/144