الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:
حين تأتي الإجازات وتحين مواعيد الفراغ في حياتنا يبدو التجديد فيها ومحاولة كسر الروتين وإضافة شيء ممتع على أرواحنا ومشاعرنا ضرورة ملحة حتى نبقى أحياء مستمتعين، غير أن المفاجأة أننا في غمرة البحث عن ذلك التجديد نأسر أنفسنا في روتين مقابل فنعتقد أنه لا بد لكسر روتيننا الذي عشناه من سفر بعيد المسافة، وفنادق مرتفعة التكلفة، وفراغ كلي يفضي بنا للهوامش من جديد ، ونعود في النهاية أكثر تعباً وأشد إرهاقاً وأكثر ديوناً وأحوج إلى إجازة أخرى تحمل عنا مشاعر الإجهاد والتعب والعناء من جديد.
الإجازة يا صديقي : ليست بالضرورة انتقالًا من مدينة إلى أخرى، أو سفراً من وطن إلى أرض غربة، أو خروجاً كلياً من أهدافك ومشاريعك إلى فراغ يُلغي هويتك بالكلية وإنما هي في حقيقتها نُقلة من حال إلى حال؛ نُقلة من الإرهاق إلى السكينة، ومن التكرار إلى التجدد، ومن الغياب عن أنفسنا في ظل هذا الشتات إلى العودة إليها والقرب منها والتحدث معها ، ومن الابتعاد عن الأسرة إلى الاجتماع بها وإعادة وهج مشاهدها ، ومن استهلاك العمر في أعمال لا علاقة لها بمشاريعنا الشخصية ودوائر تأثيرنا إلى أفكار ومشاريع تتلامس مع همومنا ودوائر تأثيرنا.
قد تكون أجمل إجازاتك يا صديقي : تلك التي تقضيها في بيتك فتعيد ترتيب مكتبتك ومكان استراحتك، وتغلق فيها هاتفك ساعات من يومك، وتقرأ فيها كتابًا يصنع فكرك ويحيي مشاعرك، وتجلس فيها مع والديك، وتصنع مع أبنائك ذكريات لا تحتاج إلى تذاكر سفر ولا حجز مواعيد.
قد يكون جمال إجازتك: في نزهة قريبة، أو مشيٍ عند الفجر، أو إفطار في مكان جديد، أو ليلة عائلية، أو رحلة برية، أو زيارة رحم، أو تعلم مهارة، أو ممارسة رياضة، أو عمل تطوعي ومشاركة مجتمعية تفتح في قلبك ومشاعرك نوافذ من الرضا لا تفتحها أفخم المنتجعات.
من الفقه يا صديقي ألا تجعل إجازتك: زيادة في ديونك، وأحمالاً ثقيلة على مستقبلك، وانقلابًا كلياً على كل ما بنيته في عامك من قيم ومثل وأفكار ومفاهيم .
لا تهدم قيمك يا صديقي بالتخلّف عن صلاتك، و الاستغراق في شهواتك، والفوضى في أوقاتك، والتخلي عن عاداتك الإيجابية التي تعبت عليها زماناً من عمرك، فالترفيه الذي يهدم قيمك، ويسرق صحتك ويستنزف مالك ويفسد عاداتك ويعيدك فارغاً في النهاية إنما هو تعب مؤجل في صور متع عاجلة فحسب.
روّح يا صديقي عن نفسك، واستمتع بحياتك، ونوّع في مباهجك، وحافظ مع ذلك على كل قيمك المثلى وعاداتك الإيجابية حتى تعود في النهاية وأنت أكثر نشاطاً وأروى روحاً وأدهش مشاعر وأقوى عزيمة ونشاطا.
تذكر ياصديقي : أن الإجازة الناجحة ليست تلك التي أنفقت فيها مالاً أكثر ، ولا التي خرجت فيها إلى مكان أبعد، وإنما تلك التي عُدت منها أخف روحًا، وأهدأ بالاً ، وأروى مشاعر، وأقرب فيها إلى نفسك وبيتك وأسرتك.
د مشعل الفلاحي ١٤٤٨/٢/١٢