إجازة ممتعة يا صديقي

مشعل الفلاحيمشعل الفلاحي
25 يوليو 2026
3262 مشاهدة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:
حين تأتي الإجازات وتحين مواعيد الفراغ في حياتنا يبدو التجديد فيها ومحاولة كسر الروتين وإضافة شيء ممتع على أرواحنا ومشاعرنا ضرورة ملحة حتى نبقى أحياء مستمتعين، غير أن المفاجأة أننا في غمرة البحث عن ذلك التجديد نأسر أنفسنا في روتين مقابل فنعتقد أنه لا بد لكسر روتيننا الذي عشناه من سفر بعيد المسافة، وفنادق مرتفعة التكلفة، وفراغ كلي يفضي بنا للهوامش من جديد ، ونعود في النهاية أكثر تعباً وأشد إرهاقاً وأكثر ديوناً وأحوج إلى إجازة أخرى تحمل عنا مشاعر الإجهاد والتعب والعناء من جديد.
الإجازة يا صديقي : ليست بالضرورة انتقالًا من مدينة إلى أخرى، أو سفراً من وطن إلى أرض غربة، أو خروجاً كلياً من أهدافك ومشاريعك إلى فراغ يُلغي هويتك بالكلية وإنما هي في حقيقتها نُقلة من حال إلى حال؛ نُقلة من الإرهاق إلى السكينة، ومن التكرار إلى التجدد، ومن الغياب عن أنفسنا في ظل هذا الشتات إلى العودة إليها والقرب منها والتحدث معها ، ومن الابتعاد عن الأسرة إلى الاجتماع بها وإعادة وهج مشاهدها ، ومن استهلاك العمر في أعمال لا علاقة لها بمشاريعنا الشخصية ودوائر تأثيرنا إلى أفكار ومشاريع تتلامس مع همومنا ودوائر تأثيرنا.
قد تكون أجمل إجازاتك يا صديقي : تلك التي تقضيها في بيتك فتعيد ترتيب مكتبتك ومكان استراحتك، وتغلق فيها هاتفك ساعات من يومك، وتقرأ فيها كتابًا يصنع فكرك ويحيي مشاعرك، وتجلس فيها مع والديك، وتصنع مع أبنائك ذكريات لا تحتاج إلى تذاكر سفر ولا حجز مواعيد.
قد يكون جمال إجازتك: في نزهة قريبة، أو مشيٍ عند الفجر، أو إفطار في مكان جديد، أو ليلة عائلية، أو رحلة برية، أو زيارة رحم، أو تعلم مهارة، أو ممارسة رياضة، أو عمل تطوعي ومشاركة مجتمعية تفتح في قلبك ومشاعرك نوافذ من الرضا لا تفتحها أفخم المنتجعات.
من الفقه يا صديقي ألا تجعل إجازتك: زيادة في ديونك، وأحمالاً ثقيلة على مستقبلك، وانقلابًا كلياً على كل ما بنيته في عامك من قيم ومثل وأفكار ومفاهيم .
لا تهدم قيمك يا صديقي بالتخلّف عن صلاتك، و الاستغراق في شهواتك، والفوضى في أوقاتك، والتخلي عن عاداتك الإيجابية التي تعبت عليها زماناً من عمرك، فالترفيه الذي يهدم قيمك، ويسرق صحتك ويستنزف مالك ويفسد عاداتك ويعيدك فارغاً في النهاية إنما هو تعب مؤجل في صور متع عاجلة فحسب.
روّح يا صديقي عن نفسك، واستمتع بحياتك، ونوّع في مباهجك، وحافظ مع ذلك على كل قيمك المثلى وعاداتك الإيجابية حتى تعود في النهاية وأنت أكثر نشاطاً وأروى روحاً وأدهش مشاعر وأقوى عزيمة ونشاطا.
تذكر ياصديقي : أن الإجازة الناجحة ليست تلك التي أنفقت فيها مالاً أكثر ، ولا التي خرجت فيها إلى مكان أبعد، وإنما تلك التي عُدت منها أخف روحًا، وأهدأ بالاً ، وأروى مشاعر، وأقرب فيها إلى نفسك وبيتك وأسرتك.
د مشعل الفلاحي ١٤٤٨/٢/١٢




نقاشات القراء (13)

مجهول
25 يوليو 2026

مقالة رائعة

مجهول
25 يوليو 2026

مقالة ممتازة

مجهول
28 يوليو 2026

طرح يلامس واقع الكثير، بوركت ونفع الله بك وبعلمك

مجهول
28 يوليو 2026

على الوجع دائما .بوركت أستاذنا

مجهول
28 يوليو 2026

رائع شيخنا الغالي

مجهول
28 يوليو 2026

روِّح عن نفسك، واستمتع بحياتك، ونوِّع في مباهجها، فالنفس تحتاج إلى ما يجدد نشاطها ويبعث فيها السرور. واحرص، في كل ذلك، على أن تبقى متمسكًا بقيمك السامية، محافظًا على مبادئك الأصيلة وعاداتك الحسنة؛ لتعود أكثر صفاءً في روحك، وأعمق طمأنينةً في قلبك، وأقوى عزيمةً، وأوفر نشاطًا، وأقدر على مواصلة مسيرة الحياة بعزمٍ وتفاؤل.

مجهول
28 يوليو 2026

ما شاء الله احسنت كلام جميل ورائع سلمت يداك ولا فض فوك وجعلك الله مباركا حيثما كنت

مجهول
28 يوليو 2026

كتب الله أجرك مقال كلماته تلامس أدق التفاصيل في حياتنا

مجهول
29 يوليو 2026

هذا هو المفهوم الصحيح للإجازة.

مجهول
29 يوليو 2026

جزاك الله خير وبارك فيك

مجهول
29 يوليو 2026

مقالة رائعة ومعبرة

مجهول
29 يوليو 2026

بارك الله في طرحك

مجهول
29 يوليو 2026

حروف جميلة بارك الله فيك ابا علي